المقريزي

89

إمتاع الأسماع

الأفهار ( 1 ) وإن كان عجزها لدبراء ( 2 ) مما ننخسها ، وجعل أهل الحاضر يقولون لرعيانهم : ابلغوا حيث تبلغ غنم حليمة ، فيبلغون ، فلا تأتي مواشيهم إلا كما كانت تأتي قبل ذلك ، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس ضرع شاة لهم يقال لها ( أطلال ) ، فما يطلب منها ساعة من الساعات إلا حلبت غبوقا وصبوحا ، وما على الأرض شئ تأكله دابة ( 3 ) . فحدثني عبد الصمد بن محمد السعدي عن أبيه عن جده قال : حدثني بعض من كان يرعى غنم حليمة أنهم كانوا يرون غنمها ما ترفع رؤوسها ، ويرى الخضر في أفواهها وأبعارها ، وما تزيد غنمنا على أن تربض ( 4 ) ، ما تجد عودا تأكله ، فتروح الغنم أغرث ( 5 ) منها حين غدت ، وتروح غنم حليمة يخاف عليها الحبط ( 6 ) . قالوا : فمكث سنتين صلى الله عليه وسلم حتى فطم ، فكأنه ابن أربع سنين ، فقدموا به على أمه زائرين لها ، وهم أحرص شئ على رده مكانه ، لما رأوا من عظيم بركته ، فلما كانوا بوادي السرر لقيت نفرا من الحبشة وهم خارجون منها ، فرافقتهم ، فسألوها ، فنظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرا شديدا ، ثم نظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه ، وإلى حمرة في عينيه ، فقالوا : يشتكي أبدا عينيه للحمرة التي فيها ؟ قالت : لا ، ولكن هذه الحمرة لا تفارقه ، فقالوا : هذا والله نبي ، فغالبوها عليه ، فخافتهم أن يغلبوها ، فمنعه الله عز وجل ، فدخلت به على أمه ، وأخبرتها بخبره ، وما رأوا من بركته ، وخبر الحبشة ، فقالت أمه : ارجعي بابني فإني أخاف عليه وباء مكة ، فوالله ليكونن له شأن ، فرجعت به .

--> ( 1 ) أي أن لحمها قد تكتل كتلا من السمن . ( 2 ) الدبراء : التي بها قرحة . ( 3 ) ( دلائل أبي نعيم ) : 1 / 157 - 159 ، حديث رقم ( 96 ) ، أخرجه ابن سعد في ( الطبقات ) : 1 / 110 مختصرا . ( 4 ) تربض : تطوي قوائمها وتقيم . ( 5 ) أغرث : أكثر جوعا ، وفي شعر حسان يعتذر لعائشة رضي الله تعالى عنها . * وتصبح غرثي من لحوم الغوافل * ( 6 ) الحبط : الانتفاخ من كثرة الأكل .